قصة أبو القمقم وزوجته عناق

قصة من كيد النساء : أبو القمقم وزوجته عناق

العفريت الذي هرب من امرأة!

هل تصدّق أن مخلوقًا من الجن عاش مئات السنين… ولم يخف من ساحرٍ قط، ولا من ملكٍ جبار، ولا حتى من جيشٍ جرار… لكنه ارتعد خوفًا عندما سمع اسم امرأة واحدة؟!

بل إن ذلك العفريت، ما إن ذُكر اسمها أمامه، حتى قفز مذعورًا من جسد أميرة كان يسكنه، وفرّ هاربًا إلى المجهول ، دون أن يلتفت خلفه.

فمن تكون هذه المرأة التي زرعت الرعب في العفاريت ، وأي قوة ساحرة تملك؟

هذه الحكاية من أشهر النوادر التي تناقلها الرواة عن كيد النساء ببغداد في العصر العباسي..

حين كانت الأسواق تضج بالتجار، وتتعالى أصوات المآدين بين الأزقة الضيقة، وتنعكس أشعة الشمس على قباب المساجد وقصور الخلفاء.. كان يعيش رجل فقير يُدعى أبو القمقم.

قصة أبو القمقم وزوجته عناق

لم يكن الرجل يملك ضيعةً ولا تجارة، ولا خدمًا ولا عبيدًا. كان يعيش من عمل يومه، فإذا غربت الشمس عاد إلى بيته المتواضع، شاكرًا الله على لقمةٍ تسد جوعه، وكأس ماء يروي عطشه.

وكان أهل الحي يحبونه. فهو رجل هادئ، طيب القلب، لا يُعرف عنه ظلم، ولا يسمع الناس منه كلمةً تؤذي أحدًا.

لكن… ورغم أخلاقه الفاضلة… كان أبو القمقم يحمل همًّا لا يراه الناس. همًّا جعله يتمنى أحيانًا لو خرج من بيته بلا عودة. ولم يكن ذلك الهم ديْـنًا… ولا مرضًا… ولا فقرًا… بل كان اسمه… عناق. إنها زوجته.

ولعل أكثر ما كان يثير دهشة أهل بغداد أن هذه المرأة لم تكن مشهورة بجمالٍ أخّاذ، ولا بكرمٍ أو حسن عشرة… بل اشتهرت بشيء آخر تمامًا.

فقد كانت حادة الطبع… سريعة الغضب… شديدة الخصام… أما لسانها… فكان كالسيل إذا انطلق، لا يعرف التوقف.وكان الناس يتندّرون بشأنها قائلين:
“إذا بدأت عناق بالكلام، فليس أمامك إلا أن تنتظر حتى تتعب هي… لا حتى تقتنع.”
ولم يكن بيت أبي القمقم يعرف الهدوء إلا عندما تنام. أما إذا استيقظت…فكأن معركةً قد بدأت من جديد.

وفي صباح أحد الأيام…كان أبو القمقم يجلس في ركن الدار، يتناول كسرة خبز يابس غمسها في قليلٍ من الزيت.

وما إن رفع أول لقمة إلى فمه…حتى سمع صوت زوجته يأتي من داخل البيت. “ألم أقل لك إن الحطب أوشك أن ينفد؟”

تنهد بصمت…ولم يجب. لكنها خرجت وهي تواصل حديثها.”وذلك السقف… متى ستصلحه؟” ظل صامتًا.

“والجار فلان أصلح بابه منذ شهر، أما أنت فلا تفعل شيئًا!” ابتسم ابتسامةً باهتة وهو يخفض رأسه.

لكنها لم تتوقف. بل جلست أمامه، وأخذت تعدد أخطاءه منذ تزوجها… وكأنها تحفظها عن ظهر قلب.

رفع رأسه نحو السماء… وقال في نفسه: “يا رب… ارزقني صبرًا يسع هذا اللسان.” ومضت الأيام على هذا الحال.

حتى جاء صباح يوم من أيام الربيع، شعر فيه أبو القمقم أن جدران البيت نفسها قد ضاقت به. فوقف فجأة وقال: “يا عناق…”

سكتت للحظة، وكأنها فوجئت أنه هو من بدأ الحديث.

قال مبتسمًا: “ما رأيك أن نترك بغداد اليوم، ونخرج إلى البادية؟”

عقدت حاجبيها. “ولماذا؟” قال بهدوء: “منذ زمن لم نر الأشجار، ولم نستنشق هواءً نقيًا.” ثم أضاف وهو يحاول أن يبدو مرحًا: “لعل النسيم يبدل المزاج، فتهدأ النفوس.” ظنت أن الفكرة قد تكون نزهة لطيفة. .فوافقت.

قصة أبو القمقم وزوجته عناق

بعد قليل.. كان الزوجان يسيران خارج أسوار بغداد. . تركا خلفهما ضجيج الأسواق… وسارا بين الحقول والبساتين.

وكان النسيم يحمل رائحة التراب المبتل وأزهار الربيع. أما أبو القمقم…فكان يستمتع بذلك الصمت الجميل.

لكن السكون.. لم يدم طويلًا.فقد بدأت عناق تتحدث. ثم تشتكي. ثم تعاتب.

ثم تعود إلى قصة حدثت قبل عامين… ثم تنتقل إلى مشكلةٍ حدثت قبل خمسة أعوام! وكان الرجل يسير بصبرٍ عجيب. يهز رأسه بين الحين والآخر… يخشى أن يسمعها أحد .. وكل الناس قد سمعوا وتهامسوا …

دون أن ينطق بكلمة واحدة أكملا مسيرهما الطويل… حتى وصلا إلى بستان مهجور. كانت أشجاره يابسة… وأغصانه متشابكة… وفي وسطه بئر قديمة، تهدمت أطرافها، حتى صار الاقتراب منها خطرًا.

تقدم أبو القمقم بحذر…أما عناق… فكانت منشغلة بالكلام أكثر من انشغالها بالطريق. كانت تشير بيديها…وتلتفت إليه وهي تتحدث… ولم تنتبه إلى أن قدميها اقتربتا كثيرًا من حافة البئر. وفجأة… تزلزل الحجر تحتها. اختل توازنها. ..صرخت صرخةً قصيرة…ثم اختفت. سقطت في أعماق البئر. ساد المكان صمتٌ ثقيل. وقف أبو القمقم كأن الزمن قد تجمد. ثم ركض نحو الحافة، وألقى بجسده فوقها، وهو ينظر إلى الأسفل. لكن البئر كانت شديدة العمق. لا يرى فيها إلا ظلامًا حالكًا.

وبعد لحظات.. ارتفع صوت عناق من القاع. مرة تستغيث… ومرة تصرخ… ومرة تلومه… بل إنها، حتى وهي في قاع البئر، لم تنسَ أن تعاتبه!

ظل الرجل صامتًا. ثم أغلق عينيه… وأطلق زفرةً طويلة… وقال بصوتٍ خافت:

“الحمد لله..” ثم سكت قليلًا…

وأكمل: “لقد جاء الفرج… من حيث لا أحتسب.” نظر مرةً أخيرة إلى البئر… ثم استدار… وعاد إلى بغداد. وفي تلك الليلة… ولأول مرة منذ سنوات..

وضع رأسه على الوسادة… فلم يسمع صراخًا… ولا عتابًا… ولا خصامًا… وما هي إلا لحظات… حتى غلبه النوم. نومٌ عميق… هادئ… كأن الدنيا كلها قد صمتت. لكن… لم يكن يعلم… أن ما ينتظره بعد ثلاثة أيام…
سيكون أغرب بكثير من سقوط عناق في البئر.

العفريت الذي هرب من البئر

 

قصة أبو القمقم وزوجته عناق

مرّ اليوم الأول…ثم الثاني…ثم الثالث.

وخلال تلك الأيام الثلاثة، عاش أبو القمقم هدوءًا لم يعرفه منذ سنوات. كان يستيقظ فلا يسمع خصامًا… ويجلس إلى طعامه فلا يطارده اللوم… حتى إنه بدأ يظن أن الحياة قد ابتسمت له أخيرًا.

لكن…في الليلة الثالثة…استيقظ فجأة. فتح عينيه، وظل ينظر إلى سقف الغرفة طويلًا.كان ضميره يؤنبه.وقال في نفسه:”مهما يكن… فهي زوجتي.”

ثم تنهد وأضاف: “وربما كانت هذه المحنة قد غيرتها… وربما أصبحت إنسانة أخرى.” ظل يتقلب على فراشه حتى طلع الفجر. ثم نهض، وأخذ حبلًا غليظًا كان يعلقه في زاوية الدار، وخرج مسرعًا نحو البستان المهجور.

كانت الشمس قد بدأت ترسل أول خيوطها. والندى يكسو أوراق الأشجار اليابسة. وقف أبو القمقم عند حافة البئر.ونادى بصوت مرتفع:”يا عناق…” ارتد صدى صوته بين جدران البئر.

ثم تابع: “إن كنت تسمعينني… فأمسكي بالحبل.” ورمى الحبل إلى الأعماق. ساد الصمت. لحظات…

ثم… شعر بالحبل يهتز.

ابتسم وقال في نفسه: “الحمد لله… ما زالت على قيد الحياة.” شد الحبل قليلًا… لكن المفاجأة… أن الحبل كان أثقل مما توقع. شد مرة أخرى. فلم يتحرك إلا قليلًا.

قطبت دهشته حاجبيه. وقال ضاحكًا مع نفسه: “سبحان الله…” “أيعقل أن رطوبة البئر قد زادت وزنها إلى هذا الحد؟”ثم غرس قدميه في الأرض…

وأمسك الحبل بكلتا يديه…وأخذ يسحب بكل ما أوتي من قوة. بدأ العرق يتصبب من جبينه. وارتجفت ذراعاه من شدة التعب. وكان الحمل يزداد ثقلًا كلما اقترب من فوهة البئر.

وأخيرًا…

ظهر شيء…لكن… لم يكن رأس عناق. بل… يدٌ زرقاء ضخمة… تلتها ذراع غليظة… ثم كتفان عريضان… ثم خرج من البئر مخلوق لم تره عين أبي القمقم في حياتها. كان عملاقًا… يكاد يبلغ طول ثلاثة رجال. جلده أزرق داكن…

وعيناه تشتعلان كجمرتين. ومن حوله يتصاعد دخان أزرق كثيف. أما قرناه الأسودان، فكانا يلتفان إلى الخلف كقرني ثور هائج. تراجع أبو القمقم حتى كاد يسقط من شدة الفزع. أما ذلك المخلوق…فما إن خرج من البئر…

حتى جلس على الأرض يلهث…وكأنه كان يهرب من موتٍ محقق. ثم رفع رأسه إلى أبي القمقم… وقال بصوت أجش: “جزاك الله عني خيرًا…” “لقد أنقذت حياتي.”

تجمد أبو القمقم في مكانه. ولم يدر أيفر…أم يجيب. ثم قال بصوت مرتجف:”ومن… من أنت؟”

ابتسم العملاق ابتسامة متعبة. وقال:

“أنا واحد من جن هذه البئر.” ساد الصمت.

ثم أضاف:

“أسكنها منذ مئات السنين.”

ظل أبو القمقم ينظر إليه غير مصدق.

وسأله:

“وكيف انتهى بك الحال في قاعها؟”

عندها…

أطرق العفريت رأسه.

وأطلق زفرة طويلة.

وقال:

“هل تعرف المرأة التي سقطت هنا قبل ثلاثة أيام؟”

أجاب أبو القمقم:

“نعم .. إنها زوجتي… عناق.”

وما إن نطق بالاسم…

حتى ارتعش العفريت.

والتفت خلفه بسرعة…

وكأنه يخشى أن تكون مختبئة بين الأشجار.

ثم قال بصوت خافت:

“لا تذكر اسمها مرة أخرى بارك الله فيك!”

نظر إليه أبو القمقم في دهشة.

فقال العفريت:

“والله…”

“لقد خضت حروبًا مع ملوك الجن…”

“وقاتلت مخلوقات لم يسمع بها البشر…”

“لكنني لم أر في حياتي بلاءً مثل تلك المرأة.”

ثم وقف…

وأخذ يمشي ذهابًا وإيابًا، وهو يتحدث بانفعال.

“منذ أن سقطت في البئر…”

“لم تتوقف عن الكلام لحظة واحدة.”

“في البداية خاصمتني.”

“ثم خاصمت إخوتي.”

“ثم بدأت تعطي الأوامر.”

“ثم راحت تنتقد شكل الكهف…”

وتنهد بحرقة.

“بل إنها قالت لملك الجن نفسه…”

وقلد صوتها بغضب:

“أأنت ملك؟! لو كنت ملكًا بحق، لما كان هذا المكان بهذه الفوضى!”

لم يتمالك أبو القمقم نفسه…

فضحك لأول مرة منذ أيام.

أما العفريت…

فكان يتحدث وكأنه يروي كابوسًا.

قال:

“لقد تشاجر الجن فيما بينهم بسببها.”

“ومن كان يهرب من شجارها، كانت تلحق به.”

“ومن سكت، قالت إنه متكبر.”

“ومن أجابها، ندمتَه على الجواب.”

ثم رفع يديه إلى السماء وقال:

“حتى كبار ملوك الجن…”

“تمنوا لو انشقت الأرض وابتلعتهم.”

اقترب من أبي القمقم…

وقال بصوت أقرب إلى الرجاء:

“وحين رأيت حبلك يتدلى…”

“لم أفكر مرتين.”

“تعلقت به فورًا.”

“وأقسمت أن أهرب قبل أن تعود إلي.”

ثم نظر حوله مرة أخرى…

وهمس:

“أرجوك…”

“قل لي…”

“إنها ما زالت في البئر… أليس كذلك؟”

ابتسم أبو القمقم ابتسامة خفيفة.

وقال:

“على حد علمي… نعم.”

أغمض العفريت عينيه.

وقال وهو يتنفس براحة:

“الحمد لله…”

ثم التفت إليه وقال:

“لقد صنعت لي معروفًا لن أنساه ما حييت.”

“ولأن الجن لا ينسون الجميل…”

“فسأجعلك أغنى رجل في بغداد.”

توقف أبو القمقم فجأة.

وظن أن العفريت يسخر منه.

لكن العفريت اقترب منه أكثر…

وانخفض صوته وهو يقول:

“استمع جيدًا…”

“فما سأقوله الآن…”

“سيغير حياتك إلى الأبد.”

كيف أصبح أفقر رجل في بغداد… من أغنى رجالها؟

 

قصة أبو القمقم وزوجته عناق

ظل أبو القمقم ينظر إلى العفريت، وهو لا يدري أيسمع الحقيقة.. أم يعيش حلمًا؟

اقترب منه العفريت، وخفض صوته حتى كاد يهمس: اسمعني جيدًا.. ولا تقاطعني.

أومأ أبو القمقم برأسه.

فقال العفريت: بعد أيام قليلة.. سأذهب إلى قصر والي بغداد.

اتسعت عينا الرجل دهشة. أما العفريت فأكمل وكأنه يرسم خطةً أحكم تفاصيلها منذ زمن: سأتلبس جسد ابنته الوحيدة.

تراجع أبو القمقم خطوة إلى الوراء.

وقال مترددًا: ولماذا تفعل ذلك؟

ابتسم العفريت وقال: لأرد لك الجميل.

ثم أضاف: سيستدعي الوالي الأطباء.. ثم الحكماء.. ثم الرقاة.. 

“وسيحاول الجميع إخراجي. لكنني لن أخرج لأحد. 

سكت لحظة، ثم أشار بإصبعه نحو أبي القمقم. إلا لك.

ازدادت حيرة الرجل.

فسأله: ولماذا ستخرج لي أنا فقط؟

ابتسم العفريت ابتسامة ماكرة.

وقال: لأن الناس لا يصدقون المعجزات إلا إذا رأوها.

 سأنتظر حتى يعجز الجميع.. ثم تدخل أنت.  وحين أراك.. سأغادر جسد الأميرة فورًا.

وسيظن الناس أنك رجل مبارك، أو صاحب كرامة. ثم ضحك ضحكةً خافتة. وعندها..

سيفتح لك الوالي خزائن الذهب بيديه. ظل أبو القمقم صامتًا. كانت الفكرة تبدو مجنونة.. بل مستحيلة.

لكنه لم يجد سببًا يجعل العفريت يكذب عليه.

وأخيرًا قال: ولِمَ لا تمنحني الذهب مباشرة؟

ابتسم العفريت، وقال: لو وجد الناس فقيرًا أصبح غنيًا في ليلة واحدة، لاتهموه بالسرقة.

أما إذا أغدق عليه الوالي بنفسه.. فلن يشك فيه أحد.

ثم مد يده الضخمة، وربت على كتف أبي القمقم برفق. وقال: ثق بي.. فلن تحتاج بعد اليوم إلى حمل همِّ رغيف الخبز.

وما إن أنهى كلامه.. حتى تحول جسده إلى دوامة من دخان أزرق. ثم اختفى..وكأنه لم يكن موجودًا قط.

عاد أبو القمقم إلى بغداد. لكن حياته أصبحت غريبة. كان يمشي في الأسواق.. وقلبه متعلق بما قاله العفريت.

وفي كل صباح، يسأل نفسه: هل كنت أحلم؟ ثم يهز رأسه، ويعود إلى عمله. حتى جاء اليوم.. الذي ضجت فيه بغداد كلها بخبرٍ واحد.

ابنة الوالي أصابها مسٌّ من الجن!”

انتشر الخبر كالنار في الهشيم. وأُغلقت الأسواق مبكرًا. واجتمع الناس أمام قصر الوالي. كان الجميع يتحدث عن صرخات الأميرة..

وعن القوة العجيبة التي أصبحت تمتلكها.. حتى إن أربعة من الحراس عجزوا عن الإمساك بها.

دخل أمهر أطباء بغداد. فخرجوا مطأطئي الرؤوس. ثم دخل الحكماء. فعجزوا هم أيضًا. ثم جاء أشهر الرقاة. وتلوا ما حفظوا من الأدعية. لكن الأميرة لم تزد إلا صراخًا.

وكان صوت غريب يخرج من فمها.. ليس صوت امرأة.. بل صوت مخلوق آخر. أما الوالي..

فقد كان يمشي في قاعة قصره كمن فقد عقله. كان ينظر إلى ابنته.. ثم يلتفت إلى وزرائه.

ويقول بغضب: “ألا يوجد في بغداد رجل واحد يستطيع إنقاذها؟

ساد الصمت. وفجأة.. تقدم شيخ مسن من بين الحاضرين. وقال: “يا مولاي..سمعت عن رجل فقير…يقال إنه صاحب دعاء مستجاب.

رفع الوالي رأسه بسرعة. “ومن هو؟

قال الشيخ: رجل اسمه..”أبو القمقم.

كان أبو القمقم في تلك اللحظة يصلح باب بيته الخشبي القديم.وفجأة.. توقف أمام منزله موكب الوالي. ترجل قائد الحرس.

وقال بصوت رسمي: “أبو القمقم؟” أجاب الرجل في دهشة: “نعم.”

قال القائد: “الوالي يطلبك حالًا.”

شعر أبو القمقم بأن قلبه بدأ يخفق بقوة. لقد جاء اليوم الذي أخبره به العفريت.

دخل قصر الوالي لأول مرة في حياته. وكان كل شيء حوله يلمع. الأرض من الرخام الأبيض. والأعمدة مكسوة بالنقوش. والثريات الذهبية تتدلى من السقف. لكنه لم يكن ينظر إلى شيء. بل كان يبحث بعينيه عن الأميرة.

ولما دخل غرفتها.. رآها جالسة على سريرها. كانت عيناها تتوهجان بلون أزرق غريب. وشعرها يتطاير رغم أن الهواء ساكن. وحولها يقف الحراس والأطباء والوزراء، وقد ارتسم العجز على وجوههم.

اقترب أبو القمقم ببطء. ثم رفع يده. وأشار إلى الجميع أن يبتعدوا.

نظر الوالي إليه في توتر. لكن الرجل قال بهدوء: “دعوني معها وحدي.”

تردد الوالي لحظة.. ثم أشار إلى الجميع بالخروج.

أُغلقت الأبواب. وساد الصمت. اقترب أبو القمقم من الأميرة. وابتسم ابتسامة صغيرة.ثم همس.. دون أن يسمع أحد سواه:

لقد أوفيت بوعدك، وأنا أوفيت بوعدي.”

وفجأة..

تغير وجه الأميرة.وابتسمت.. لكنها لم تكن ابتسامة الأميرة. بل ابتسامة العفريت. وقال بصوت خافت:

أحسنت يا أبا القمقم.”

وفي اللحظة التالية..اهتزت الغرفة بعنف.وانفجر دخان أزرق كثيف.

وخرج العفريت من جسد الأميرة كالسهم، واختفى عبر نافذة القصر في لمح البصر. وسقطت الأميرة مغشيًا عليها.

وبعد لحظات.. فتحت عينيها. ونظرت حولها في حيرة. وكأن شيئًا لم يحدث.

هرع الوالي إليها.ولما تأكد أنها عادت إلى طبيعتها..التفت نحو أبي القمقم. وفي عينيه دموع الفرح. ثم صاح بأعلى صوته:

من اليوم. هذا الرجل ضيفي.. وصاحب فضلٍ عليّ ما حييت!”

وأمر في الحال أن تُفتح خزائن القصر. فأُحضرت صناديق الذهب. وأكياس الدنانير. وثياب الحرير. وأرض واسعة على أطراف بغداد.

وفي أقل من ساعة.. تحول أفقر رجل في المدينة.. إلى واحدٍ من أثرى رجالها.

لكن أبو القمقم لم يكن يعلم.. أن العفريت لم يغادر حياته بعد.

بل كان ينتظره لقاء أخير.. سيجعله يندم على قبول تلك المغامرة..

وسيكون ذلك اللقاء في دمشق.. حيث ستقع أعظم مفارقة في القصة كلها.

الكلمة التي أخافت العفريت

مرت الشهور.. وتغيرت حياة أبي القمقم تمامًا. ذلك الرجل الذي كان بالأمس يبحث عن قوت يومه..

أصبح اليوم يملك بيتًا واسعًا، وخدمًا، وضياعًا، وتجارةً تدر عليه المال.

وكان كلما تذكر العفريت، رفع يديه إلى السماء وقال: “لولا فضل الله.. ثم ذلك المخلوق الغريب.. لما تبدلت حياتي.”

لكن ، كان في قلبه سؤال لا يفارقه: ماذا حل بعناق؟ هل ما زالت في قاع البئر؟ أم خرجت؟

وكان كلما همَّ بالعودة إلى البئر، تراجع في آخر لحظة، كأن شيئًا في داخله يخشى معرفة الجواب.

وفي يوم من الأيام.. وصل إلى بغداد رسولٌ مسرع من دمشق. دخل على الوالي، ثم خرج الخبر بعد ساعات قليلة.

لقد أصيبت ابنة ملك دمشق بما يشبه ما أصاب ابنة والي بغداد. وجُرِّب معها كل طبيب، وكل حكيم، وكل راقٍ.. لكن دون جدوى.

ولأن خبر أبي القمقم قد انتشر في البلاد، لم يجد ملك دمشق إلا أن يبعث في طلبه. وحين وصل أمر الملك.. شحب وجه أبي القمقم. فقد أدرك في تلك اللحظة.. أن العفريت قد عاد.وفي تلك الليلة.. لم يذق الرجل طعم النوم.

ظل يتقلب على فراشه حتى غلبه النعاس قبيل الفجر. وهناك.. رأى حلمًا غريبًا. رأى العفريت يقف أمامه، لكن ملامحه لم تكن كما عرفها أول مرة.

لم يكن مبتسمًا.. بل كانت عيناه تشتعلان غضبًا. وقال بصوتٍ هز المكان: “يا أبا القمقم..لقد أوفيت لك بوعدي.وجعلتك من أهل الثراء.”

ثم اقترب منه حتى كاد وجهه يلامس وجهه. وقال بلهجة صارمة:” أما هذه المرة.فلن أخرج.”

وساد صمت ثقيل..ثم أضاف: “وإن حاولت إخراجي..فسأكون آخر ما تراه في حياتك.”

استيقظ أبو القمقم فزعًا. وكان جبينه مبللًا بالعرق. وظل جالسًا حتى طلعت الشمس.

ورغم خوفه.. لم يكن يستطيع رفض أمر ملك دمشق. فشد رحاله. وسافر أيامًا طويلة، حتى بدت له أسوار دمشق، شامخةً وسط البساتين والأنهار. وكان قصر الملك أعظم من كل ما رآه في حياته.لكن قلبه..

لم يكن يرى شيئًا. كان يشعر أن كل خطوة تقربه من الموت. استقبله الملك بنفسه. وقال برجاء:

لقد سمعت بما صنعت في بغداد.أنقذ ابنتي..ولك من الذهب ما تشاء.”

اكتفى أبو القمقم بإيماءة صامتة. ثم طلب أن يُخلى له المكان.

دخل غرفة الأميرة. وأُغلقت الأبواب. وساد الصمت. رفع بصره إليها.. فإذا بعينيها الزرقاوين تحدقان فيه.

ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة. لكنها لم تكن ابتسامة الأميرة. بل ابتسامة العفريت. وقال بصوت منخفض:

ألم أحذرك؟”

تجمد أبو القمقم. وقال بهدوء:”جئت لأتحدث فقط.”

ضحك العفريت ساخرًا. “أتحدث؟ أتظن أنني سأكرر خطأي؟

ثم تغير صوته إلى نبرة مخيفة.”اخرج الآن..قبل أن أخرج روحك.”

لكن أبا القمقم.. فعل شيئًا لم يتوقعه العفريت.

لم يناقشه. أو يهدده. ولم يقرأ عليه تعويذة. بل اقترب منه.. حتى صار على بعد خطوات. ثم نظر حوله، كأنه يخشى أن يسمعه أحد.

وانحنى قليلًا..وهمس في أذنه. همسة قصيرة.. لا تزيد على بضع كلمات.

قال: ” لا تقل إنني لم أحذرك.. لقد خرجت عناق من البئر..،  وهي الآن.. عند باب القصر. تبحث عنك.”

في تلك اللحظة… حدث شيء لم يكن في الحسبان.

اتسعت عينا العفريت حتى كادتا تخرجان من محجريهما. واختفى لون وجهه الأزرق تحت شحوب غريب.

وتراجع خطوة إلى الوراء. ثم أخرى. وقال بصوت مرتجف: “عِ… عناق؟!”

ابتسم أبو القمقم، ولم يقل شيئًا. أما العفريت…فلم ينتظر لحظة واحدة. أطلق صرخةً هزت أرجاء القصر.

ثم اندفع خارج جسد الأميرة كالسهم. واخترق سقف الغرفة وسط دوامة هائلة من الدخان الأزرق.

وكان وهو يفر في السماء يلتفت خلفه مرة بعد أخرى…كأن امرأةً تطارده بالفعل.

وفي الخارج، سمع الناس دويًا عظيمًا. ورأوا سحابة زرقاء تشق السماء بسرعة البرق.

وقال بعضهم: “لقد خرج الجني!”

وقال آخرون: “انظروا… كأنه يهرب من شيء!” ولم يكن أحد منهم يعلم ممَّ كان يهرب.

دخل الملك مسرعًا إلى غرفة ابنته. فوجدها قد استعادت وعيها. وكان أول ما قالته:

“أبتِ! كيف جئت إلى هنا؟” فعلم أن البلاء قد زال.

ففرح فرحًا عظيمًا. ثم التفت إلى أبي القمقم وقال: “لقد أنقذت ابنتي، ولو طلبت نصف ملكي لأعطيتك إياه.”

وأمر أن تُملأ له الصناديق ذهبًا. ومنحه الضياع والبساتين والخيل والجواهر. فعاد أبو القمقم إلى بغداد، أكثر ثراءً مما كان.

ويقول الرواة: 

إن ذلك العفريت لم يُرَ بعد ذلك اليوم في بغداد، ولا في دمشق، ولا في أي مدينة عرفها الناس.

وكان كلما سمع أحد الجن إسم عناق… نظر إلى صاحبه، ثم قال ضاحكًا: “اسكت! لا تذكر هذا الاسم.”

أما أبو القمقم… فكان كلما قص حكايته للناس، ضحكوا حتى تدمع أعينهم.

ثم يقول في آخرها:

“عجبتُ في حياتي من أشياء كثيرة:  لكن أعجبها، أن مخلوقًا أرعب البشر سنين طويلة، أرعبته امرأة واحدة.”

وهكذا بقيت هذه الحكاية من نوادر الأدب الشعبي، تُروى للتسلية والطرفة، لا بوصفها حادثة تاريخية ثابتة، لكنها تذكّرنا بأن السخرية والمفارقة قد تصنعان قصةً لا ينساها الناس مهما مرّ عليها من زمن.

 

قناتي على youtube قناتي على اليوتوب

أرى أن هذه المواضيع قد تهمك:

 

شَـاركِ الْمَوْضُوع: 
إذا أعجبك هذا المحتوى، فلا تَقْرَأْ وتَرْحَل … تَـعْلِيقَـاتُكَ تَـشْجِيعٌ لَـنَـا لِنَسْتَمِرَّ فِــي الْبَحْثِ وَالْعَطَـاء. وإِذَا كنت تعتقد أنه قد يكون مفيداً لأشخاص آخرين، فشَارِكْهَ على الشبكات الاجتماعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

حول الكاتب :   من أقصى شمال المغرب كاتب مقالات إلكترونية حول كيفية بناء موقع ويب ناجح : ووردبريس ، HTML ، CSS .ومواضيع مختلفة وناشط على اليوتيوب في قناة: Jabism Web و رحيل الليل
كتب 513 مقالة في jabism.com.
-:- راسلني   -:- تابعني على تويتر   -:- تابعني على الفايسبوك

0 عدد المشاهدات لهذا المحتوى
Scroll to Top