روائع القصص عن ذكاء العرب

روائع القصص عن ذكاء العرب

كثيراً ما يُتَّهم العرب بالغباء وسوء التدبير! والحقيقة أن العرب يتميزون بالنّباهة والذكاء وسرعة البديهة. قد لا تُصدِّق ذلك وأنت تقرأ كلامي وتنظر إلى بعض عرب اليوم. ولكن التاريخ لا يمكن دفنه، فأجدادنا كانوا أصحاب ذكاء ثاقب وعلم واسع واجتهاد لا يتخلله إهمال أو كسل وكانوا أصحاب حكمة وفطنه وشجاعة قَلَّ ما تجد مثلها اليوم.


قصص قصيرة، معبرة، شيقة وممتعة

الشاعر واللص

أراد أحد الشعراء أن يسافر لأداء أمانة إلى صديق له، وكان للشاعر ابنتان، فقال لهما : إذا قدر الله، وقُتِلْتُ في الطريق، فخذا بثأري ممن يأتيكم بالشطر الأول من هذا البيت .

ألا أيّها البنتان إن أباكما  *  قَتيل خُذا بالثأر مِمَّن أتاكما

وبينما الشاعر في الطريق قابله أحد اللصوص، وهدده بالقتل، وأخذ ما معه من أموال، فقال له الشاعر : إن هذا المال أمانة، فإذا كنت تريد مالاً فاذهب إلى ابنتَي، وقل لهما : ألا أيها البنتان إن أباكما وسوف يعطيانك ما تريد .

ولكن اللص قتله، وأخذ ما معه، ثم ذهب إلى بلدة الرجل، وقابل البنتين، وقال لهما : إن أباكما يقول لكما : ألا أيها البنتان إن أباكما .

فقالت البنتان : قتيل خذا بالثأر ممن أتاكما .

وبدأتا تصيحان وتصرخان، فتجمع الجيران وأمسكوا باللص القاتل، وذهبوا به إلى الحاكم، وهناك اعترف بجريمته، فقتله الحاكم جزاء فعله .

روائع القصص عن ذكاء العرب


الملحد والقارب العجيب

يحكى أن أحد الملحدين أصابه من الغرور  الشيئ الكثير، وكان يدَّعي العلم والفهم وامتلاكه الحجة فيما يقول ويؤمن. فأخذ يتحدى علماء عصره من المسلمين ، فقرروا إقحامه وتوقيفه عن تُـرَّهاتِهِ التي لا تنتهي. تشاوروا  فيما بينهم، فاختاروا واحداً  ليرد عليه، وحددوا لذلك موعداً لا يخلفونه .

وفي الموعد المحدد ترقب الملحد وجَمْعٌ غفير من مؤيديه ومعارضيه وصول العالم، لكنه تأخر. فقال الملحد للحاضرين : إن عالمكم خاف من مناظرتي فأخلف موعده ؟ لأنه علم أني سأنتصر عليه، وأثبت لكم أن الكون ليس له إله !

ولم يكمل تهكمه حتى حضر العالم المسلم واعتذر عن تأخره قائلاً : وأنا في طريقي إليكم، لم أجد قارباً أعبر به النّهر، وانتظرت على الشاطئ، وفجاة ظهرت في النهر ألواح من خشب، وتجمعت مع بعضها بسرعة ونظام حتى أصبحت قارباً، ثم اقترب القارب مني، فركبته وجئت إليكم ، وهذا سر تأخري فاعذروني.

فقال الملحد : إن هذا الرجل مجنون، فكيف يتجمع الخشب ويصبح قارباً دون أن يصنعه أحد ؟! وكيف يتحرك بدون وجود من يحركه ؟!

فتبسم العالم، وقال : فماذا تقول عن نفسك وأنت تدَّعي أنّ هذا الكون العظيم الكبير الذي يسير ضمن نظام محكم لا يشوبه خلل ولا اضطراب من تقلب الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم  والبحر … كل هذا بلا إله ؟!  فبهت الملحد ، ولم يستطع الرد.


ذكاء وفطنة إياس ابن معاوية

إياس بن معاوية، قاضي البصرة في زمن الخليفة عمر بن عبد العزيز، وهو أحد أعاجيب الدهر في الفطنة، وكان يضرب به المثل في الذكاء، حتى قيل: يولد في كل مائة سنة رجل تام العقل، فكانوا يرون أن إياس بن معاوية منهم. وشاعت أخبارُ ذكاء إياس، وذاعت وصار الناسُ يأتونه من كل حدب وصوب، ويلقون بين يديه ما يعترضهم من مشكلات في العلم والدين.

يحكي أن رجلاً جاء إلى إياس بن معاوية يسأله قائلاً : هل تضربني إن أكلت التمر ؟ فرد إياس بن معاوية قائلاً : لا ، فسأله الرجل من جديد : هل تضربني إن شربت قدراً من الماء، فقال إياس : لا ، فقال الرجل مبتسماً في خبث ظناً منه أنه غلب إياس بن معاوية : إذاً لماذا يكون نبيذ التمر حراماً وهو خليط بينهما ؟ فقال إياس : إن رميتك بالتراب هل تتوجع ؟ قال الرجل : لا ، فقال اياس : ولو صببت عليك قدراً من الماء، هل ينكسر أحد أعضاءك ؟ قال الرجل : لا ، قال إياس : ماذا لو صنعت من الماء والتراب طوباً وتركته يجف في الشمس وضربت به رأسك ؟ قال له الرجل : ينكسر الرأس، فقال إياس : ذاك مثل هذا .

روائع القصص عن ذكاء العرب


خيانة العطار وحيلة الخليفة

أودع رجل عقداً ثميناً وديعة عند عطار، فلما عاد ليستلمه منه أنكر العطار ذلك وأقسم، فشكاه الرّجل إلى الخليفة العباسي عضد الدولة، فقال له الخليفة : إذهب واقعد أمام دكان العطار، ولا تكلمه، وافعل ذلك ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع سأمر عليك أنا وبعض رجالي، وسأنزل عن فرسي، وأسلم عليك، فَرُدَّ علي السلام وأنت جالس، وإذا سألتك سؤالاً أجب عليّ ولا تزد شيئاً، وإذا انصرفت ذَكِّر العطار بالعقد .

و كذلك فعل الرجل. وفي اليوم الرّابع مرّ الخليفة على الرجل، ونزل من على فرسه، وسلم عليه، وقال له : لم أراك منذ مدة ؟!  فقال الرجل : كنت مشغولاً وسأزورك قريباً .

فلما انصرف الخليفة، نادى العطار الرجل قائلاً : صِفْ لي العقد الذي أودعته عندي أمانه، فوصفه الرجل، وتظاهر العطار بأنه يُفتش عن شيئ منسي حتى وجده، فرده إلى صاحبه.  و في الحين ذهب الرجل إلى الخليفة وقص عليه ماحدث، فاستدعى الخليفة العطار حتى حضر إلىه، وعاقبه على خيانته .


الحارث بن عباد

في يوم كان الحارث بن عباد في حرب، وكان يريد أن ينتصر على عُدي بن  أبي ربيعه ويثأر منه، فبينما هو في الحرب، إذْ أسِر رجلاً من جنود العدو. فطلب منه أن يدله علي عدي بن أبي ربيعة ليظفر به، فسأله الأسير : هل تطلق سراحي إن دللتك عليه ؟ فقال الحارث بن عباد : نعم، فقال له الرجل : أنا عدي بن أبي ربيعه. فأطلق الحارث بن عباد صراحه وفاءاً لوعده وكلمته الذي أعطاها له . ( شهامة الرجال) .


التكبر في مكان يتواضع فيه العظماء

يحكي أن رجلاً كان يسعي بين الصّفا والمروة راكباً علي فرسه، وكان بين يديه غلمان وعبيد كُـثُـر يقومون بتوسيع الطريق أمامه بعنف وقوة، فاستشاط الحُجّاج غضباً لهذا الفعل المنكور ، وكان الرجل طويل القامة واسع العينين. وبعد مرور عدة سنوات، رآه أحد الحجاج الذين زاملوه وهو يتكفف الناس علي جسر بغداد، فتعجب الحاج من عمله وقال له : ألست أنت ذاك الرجل الذي كان يحج على فرسه في سنة كذا، وكان بين يديك الكثير من العبيد تفسح لك الطريق ضرباً، فقال الرجل : بلي ، فقال الحاج : وكيف وصل بك الأمر إلى هذا الحال؟ قال الرجل : « تكبرت في مكان يتواضع فيه العُظماء، فأذلني الله في مكان يتعالي في الأذلاء. »

روائع القصص عن ذكاء العرب


نفسي وأعدائي

سأل العتبي أعرابياً قائلاً : لماذا تسمي العرب أبناءها أسداً ونمراً وكلباً، وتسمي عبيدها مباركاً وسالماً، فقال الأعرابي : لأن العرب قد سمت أولادها لأعدائها، وسمت عبيدها لأنفسها .


المال المنسي

يروى أن رجلا جاء إلى الإمام أبي حنيفة النعمان ذات ليلة، فقال له: يا إمام، منذ مدة طويلة دفنت مالاً في مكان ما، ولكني نسيت هذا المكان، فهل تساعدني في حل هذه المشكلة ؟

فقال له الإمام : ليس هذا من عمل الفقيه حتى أجد لك حلاًّ، ثم فكر لحظة وقال له : إذهب إلى بيتك وتوضأ، ثم قم فَصَلِّ الليل كله حتى يطلع الصبح، فإنك ستذكر مكان المال إن شاء الله تعالى .

فذهب الرجل، وتوضأ وبدأ يُصلي، وفجأة، في أحد ركعاته الأولى، تذكر المكان الذي دفن المال فيه، فأسرع وذهب إليه وأحضره .

وفي الصباح جاء إلى الإمام أبي حنيفة، وأخبره بعثوره على المال، وشكره على إرشاده ، ثم سأله : كيف عرفت أني سأتذكر مكان المال ؟!

فقال الإمام : لأني أعرف أن الشيطان لن يتركك تصلي الليل كله، وسيشغلك بتذكر المال عن صلاتك .

روائع القصص عن ذكاء العرب


إحسان أعرابية

في أحد الأسواق وقفت أعرابية تبيع شاة، فتقدم إليها تاجر وفحص الشاة ثم سألها : بكم تبيعين هذه الشاة؟ فردت عليه الأعرابية: بكذا . فقال لها:  أحْسِني، فتركت له الأعرابية الشاة وهمت بالإنصراف، فأوقفها التاجر وسألها عن سبب فعلها، فقالت له : أنت لم تقل أنقصي وإنما قلت أحسني ، والاحسان ترك الكل.


بيت شعر أبي تمام

دخل الشاعر أبو تمام مرة إلى الخليفة المعتصم وقال فيه قصيدة يمتدحه، و خلالها شبهه برجال يضرب بهم المثل مثل:  عمرو بن معد في الشجاعة، وحاتم الطائي في الكرم، والأحنف بن قيس في الحلم، وإياس بن معاوية في الذكاء حيث قال:

إقدامُ عمرو في سماحةِ حاتمٍ  *∴*  في حِلْمِ أحنفٍ في ذكاء إياسٍ

وكان من بين الحاضرين من أراد أن يوقع بين المعتصم وأبي تمام، فقالوا : لقد شبهتَ أمير المؤمنين بصعاليك العرب . فقال أبو تمام :

لا تُنكروا ضربي له من دونه  *∴*  مثلا شروداً في النّدى والبأس

فالله قد ضرب الأقل لنوره  *∴*  مثلا من المشكاة والنبراس

فتولوا مدبرين بعد أن أفحمهم أبو تمام بذكائه، فقد وضح لهم أن تشبيهه للمعتصم لا ينقص من قدره، فالله عز وجل قد شبه نوره بنور مصباح في مشكاة .


كرم قيس بن سعد

عندما أصاب المرض قيس بن سعد بن عبادة استبطأ إخوانه في زيارته، ولم يعودوه، فسأل عنهم، فأجابه الناس أنهم يستحيون مما لك عليهم من الدّين، فقال لهم : أخزى الله مالاً يمنع الإخوان من الزيارة، ثم أمر منادياً أن يسير في البلدة منادياً أن من كان لقيس عنده مال فهو منه في حل، فتكسرت عتبة بابه في المساء من كثرة الزوار .


 

الجهل بالدّين يُشوّه الإسلام

تزوجت امرأة، وبعد ستة أشهر ولدت طفلا – والمعروف أن المرأة غالباً ما تلد بعد تسعة أشهر أو سبعة أشهر من الحمل . فظن الناس أنها لم تكن مخلصة لزوجها، وأنها حملت من غيره قبل زواجها منه .

فأخذوها إلى الخليفة ليقيم عليها الحد، وكان الخليفة حينئذ هو عثمان بن عفان – رضي الله عنه – فلما ذهبوا إليه وجدوا الإمام علياً رضي الله عنه موجوداً عنده، فقال لهم : ليس لكم أن تعاقبوها لهذا السبب .

فتعجبوا وسألوه : وكيف ذلك ؟ فقال لهم : لقد قال الله تعالى : ” وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ” ( الأحقاف 15 ) أي أن الحمل وفترة الرضاعة ثلاثون شهراً، وقال تعالى : ” وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ” ( البقرة 233 ) أي أن مدة الرضاعة سنتان . إذن فالرضاعة أربعة وعشرون شهراً، والحمل يمكن أن يكون ستة أشهر .

روائع القصص عن ذكاء العرب


القاضي والحلوى

حدث خلاف بين أحد الأمراء وزوجته حول نوعين من الحلوى؛ أيهما أطيب طعاما ؟ وذات يوم، زار أحد القضاة الأمير، فدعاه إلى تناول الطعام، وذكر له قصة خلافه مع زوجته حول نوعي الحلوى، وطلب منه أن يحكم بينهما .

فقال القاضي مداعباً : أنا لا أحكم على غائب ! فأحضر الخدم نوعي الحلوى، ووضعوهما أمام القاضي، فأكل من الحلوى التي يحبها الأمير، وهو يقول : نوع جميل وطيب، ثم اقترب من الحلوى التي تحبها زوجة الأمير، وأخذ يأكل منها، وهو يقول : نوع جميل وطيب، وأخذ يأكل من هذا مرة ومن هذا مرة، حتى شبع .

ثم قال : أيها الأمير، ما رأيت أعدل وأفصح منهما ( يقصد الحلوى )، كلما أردت أن أحكم لأحدهما قدم الآخر حجته وأدلته، فضحك الحاضرون .


السارق الحقيقي

ذهب بعض الناس إلى قاض، وقالوا له : لقد سُرق أحد التجار، وأمسكنا هذين الرجلين، ونشك فيهما، ولا نعرف أيهما السارق .

فأمر القاضي الجميع بالانتظار بحجة أنه يريد أن يشرب الماء، وطلب من خادمه أن يحضر زجاجة ماء، ولما أحضرها أخذها القاضي ورفعها إلى فمه، وبدأ يشرب، وفجأة ترك القاضي الزجاجة، فسقطت على الأرض وانكسرت، وأحدثت صوتاً مفزعاً .

واندهش الحاضرون من تصرف القاضي المفاجئ، بينما أسرع القاضي نحو أحد الرجلين، وأمسكه، وقال له : أنت السارق، وأصر على ذلك، حتى اعترف الرجل ثم سأله : كيف عرفت أنني السارق ؟

فقال القاضي : لأنك لم تفزع عند سقوط الزجاجة على الأرض، واللصوص قلوبهم قاسية جامدة، أما زميلك فقد خاف وارتعد، عندئذ عرفت أنك السارق .


كانت هذه بعض  القصص القصيرة التي تترجم ذكاء العرب  في تحليلهم ومعالجتهم لأمورهم بأدوات علمية أو ببداهة فطرية حين كانت الوسائل المعاصرة غير متوفرة أنذلك . 

دمتم في حفظ الله ورعايته .

قناتي على اليوتوب

أرى أن هذه المواضيع قد تهمك:

 

شَـاركِ الْمَوْضُوع: 
إذا أعجبك هذا المحتوى، فلا تَقْرَأْ وتَرْحَل … تَـعْلِيقَـاتُكَ تَـشْجِيعٌ لَـنَـا لِنَسْتَمِرَّ فِــي الْبَحْثِ وَالْعَطَـاء. وإِذَا كنت تعتقد أنه قد يكون مفيداً لأشخاص آخرين، فشَارِكْهَ على الشبكات الاجتماعية.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عدد المشاهدات لهذه المقالة : 74
انتقل إلى أعلى
%d مدونون معجبون بهذه: