لماذا يظل مُسْتَوانا رَدِيئاً حين لا نَقبل بالفشل

المثالية تمنعنا من تطوير ذَوَاتِنا


 

 تمـهـيـد :

لا أعرف إن كُنتَ أنتَ المقصود بهذه المقالة، ولكنها حتماً مفيدةً ، لأن الظاهرة آخِـذَةٌ في الاتِّساع بشكل مقلق في أوساط الشباب على وجه الخصوص. البعض منّا لا يريد أن يُقْدِمَ على فعل أيّ شيءٍ إلا إذا حصل على ضمانات بنجاح ذلك الأمر 😯 .. أي أنه يَـنْشُدُ الكمال والمثالية دائماً ولا يقبل بالفشل.

سواءٌ كنت هذا الشخص أو عكسه، فإن الواقع يقتضي منك أن تمتثل لأسباب النجاح الحقيقية التي لا تتغير مع تغير الزمان والمكان ، كُـنْ على يقين أن الانعدامية والسِّلبية تُـدمر آفاق الناس وتُقَـوْقِعُ حياتهم في أوهام  بلا حدود .

هل التّعلق بالْمُثُل عَيْب و خطأ؟ و ما الذي يمكن أن يكون أفضل من المُثُـل؟ فكل الناس تنشد الكَمَال و المثالية، أين المشكل إذن؟

   الشخص المثالي، لا يتجاوز خيبات الأمل بسهولة، فهو يشعر بأنّ الأخطاء التي يقوم بها كارثيّة، ولا يمكن تجاوزها!

 في الواقع ، يعتبر التشبت بإدراك الشخصية المثالية دون احتساب احتمالية الفشل مشكلة حقيقية ، لأنها تمنع هؤلاء من المشاركة في تحريك عجلة التقدم مع العالم. فهم يبخسون أفكار الناس وينتقصون من اجتهاداتهم باستمرار، بالتالي لن يحاولوا تحسين مستواهم و ارتقائهم إلى مدارج الكمال كما يحلمون، فيعيشون حياة الارتباك والتخبط بين تشبتهم بالأفكار الهدامة ومراقبتهم للناس وهم ينتقلون من فشل إلى فشل.. ثم إلى نجاح مبهر.

إذا واجهتك مشكلة و منعك تخوفك من الفشل على البدء في حلها، فستجد بالتأكيد طُـرقاً لمعالجة هذا المشكل من خلال قراءتك لهذه المقالة. لأنك حتماً، ستتعلم فوائد قبول النقص والفشل و ما يعقبه من شعور جميل بالحرية.

 فـهـرس :

تعلم كيف تستمتع بما تحققه !


يجب أن تعلم أن كل الاختراعات التكنولوجية الرائعة التي نستخدمها يومياً، لم تبدأ كما هي عليه الآن في الأسواق، وأصحابها لم يُـولدوا عُلمـاء أو بارعين في التفكير والإنجـاز، ولم يبدأوا مشارعهم حين تَـوفّرت فيهم صفة الكمال، بل تَدَرَّجُوا في تطوير ذواتهم وانتقلوا من فشل إلى فشل واستفادوا من سلسلة الفشل التي قادتهم إلى النّجاح المُحقّق حين كانت إمكانياتهم بسيطة لا ترقى إلى مستوى ما وصلوا إليه في نتائجهم الحالية. على سبيل المثال ، كل الاختراعات المبهرة التي تم تصميمها كأول سمارتفون، و أول سيارة كهربائية ومن قبله أول مصباح إلى أول حاسوب. كل هذه الاختراعات، مرت بأشواطٍ من الفشل وخيبات الأمل في إصداراتها الأولى. لكن أصحابها لم يتوقفوا عن المحاولة إلى حين تحقيق التًّميز في أوقات لاحقة.


و رغم أن الاصدارت الأولى من اختراعاتهم كانت بسيطة و غير متوازنة مقارنة مع إصداراتها الحالية إلا أن التاريخ سيظل يذكرهم بجهودهم الجبارة، ولا يزال الناس يحبونهم و يشترون منتوجاتهم أو يستثمرونها. لأن محاولاتهم كانت تهدف إلى النجاح ولو على المدى البعيد. وفعلاً مع مرور الوقت ، تطورت و تحسنت ، لدرجة أنك إذا قارنت أحدث إصدار من السيارات بالجيل الأول من السيارات ، فستعلن على الفور أن أول سيارة كانت بعيدةً عن الكمال أو تشوبها كل النقائص .

كل شيء يمر من مرحلة الفكرة ثم الاجتهاد في تحقيق الفكرة ثم الفشل.. ثم الفشل .. ثم بصيص أمل .. وفي كل مرة يتم الاستفادة من الفشل مع تجنب أسبابها ومن خلالها يتحسن الإنسان ويرتقي إلى درجات الكمال .

ومَنْ يَتَهَيَّبْ صُعُودَ الْجِبَال يَعِشْ أبَــدَ الدَّهْــرِ بَيْــنَ الحُــفَرْ

بمجرد وصول هذه المنتوجات إلى السوق ، يصل معها وابل من التعليقات والانتقادات مما يُـساعد المخترعين و المصممين على تحسين منتجاتهم. فملاحظات الناس وانتقاداتهم تُـمَكِّنَ من تَحَسُّنٍ كبير في الإصدارات اللاحقة!

لقد تغيرت كل الأجهزة والاختراعات الحديثة من إصدار إلى آخر بفضل عملية التحسين والتطوير عبر مراحل.


أحدث السيارات الكهربائية وصلت إلى ما هي عليه اليوم بفضل عملية طويلة من التحسين.

المثالية ورفض الفشل تمنعان تماماً عملية تطوير الذات وتحسينها المستمر. إذا سعينا للكمال على الفور وأردنا أن نكون مثاليين في كل شيء وبسرعة ، سيمنعنا هذا من مشاركة أفكارنا و ومهاراتنا مع العالم ، وبالتالي لن نستفيد أبداً من إمكانية مراجعة أنفسنا وتحسينها … وهذا يعني أيضاً أن العالم لن يستفيد من الأشياء الرائعة والمميزة التي نحن قادرون على فعلها وإثقانها.

ولكي نكون إيجابيين في أفكارنا وأفعالنا، ولكي يستفيد العالم من إمكانياتنا ومن العمل الذي يُـميزنا عن الآخر، علينا أن نبتعد عن احتقار مجهودات الآخرين وأن نعالج هواجس المثالية والاحساس بالكمال في ذواتنا …

تابعوا معي هذه النصائح الأساسية لنتمكن من التحرر و الارتقاء.

– كل الأشياء الكبيرة بدأت صغيرة

جدير بالذكر أن المهارات وكيفية توظيفها تختلف من شخص إلى آخر. ولكن هذا لا يعني أن تكون مُحاولاتنا الأولى  في عمل  أي شيء مثالية وخالية من النقص.

يستغرق الأمر وقتاً مهماً وجهداً جباراً لتطوير الدِّراية والمهارات للوصول إلى النّجاح وتحقيق الإثقان اللازم . وعلى الأرجح أن لا يتوقف المرء عن تحسين معارفه وتطوير قدراته ومهاراته. أي لا يجب أن يمنعنا الوصول إلى الغاية من المضي قدماً ومتابعة المسير، بل يجب أن تشجعنا قدراتنا على تطوير أفكارنا باستمرار . لأن كل محاولة ، هي باب يُفتح أمامك يخبرك أن تحسين ذاتك عالم لا يقبل التّقاعُص أو الخمول.

ليس الهدف هو الحصول على نسخة “مثالية”. الهدف هو إنشاء شيءٍ ناجحٍ ، وشيء يلقى صدى لدى الناس ، وشيء يتحسن بمرور الوقت بفضل الصبر والجهد المستمر لتحسينه.

– لا تقلق

معظم القلق ناتج عن الخوف. وكثير من الناس ينتقصون من قيمة أفكارهم وآرائهم ويعتقدون أنها لا ترقى إلى مستوى مشاركتها مع الآخرين. والواقع أن كل فكرة قابلة للنّقاش وليس هناك شيء إسمه فكرة أو رأي غبي! كل الآراء تحترم.

في الواقع ،جميع الأفكار الجيّدة تبدأ بسيطةً، وعند عرضها على الجمهور، يبدأ هذا الأخير بالتعليقات لإبداء رأيه و وانتقاد النقائص من وجهة نظره، وبالتالي يحدث الارتقاء بالأفكار وتحسينها لتصبح جيدة ومنتجة .

إن الاحتفاظ بأفكارنا أو منتجاتنا لأنفسنا بغية إثقانها وتحسينها قبل عرضها للعالم، تضمن أن لن تكون مثالية أبداً. لذلك، نحتاج إلى تعليقات وتنقيحات الآخرين لتتحسن وتكتمل. حتى إذا وجدنا أن أفكارنا مثالية ، فإن نظرة شخص آخر يمكن أن تعطينا منظوراً جديداً حول طرق تحسين أنفسنا – أو قد تكون هذه المراجعة هي ما تحتاجه حقاً لتحفيز نفسك!

– مناشدة المثالية ناتجة عن الخوف

الخوف هو ما يجعل الانسان ينشد المثالية في كل شيء  ويتخوف من تلقي الانتقادات، خصوصاً معارضة أفكاره وأرائه، فهذا النوع لا يقبل فِكرةَ الفشل ولا يستصيغ الخطأ . هذا الخوف على الأرجح مرتبط بعدم الثقة في النفس، وهو هاجس يوحي إليك أن الخطأ يحط من قيمتك ويجب أن تكون مثالياً دون منازع. فيجعلك لا تقبل بالنقد المعارض لأفكارك. وهنا الخلل!

الشيء الجيد في الخوف هو أنه حالة ذهنية ، وليس حالة جسدية. وبالتالي يمكن تغيير هذه المخاوف ، لأنها في الأصل غير عقلانية، بل مرتبطة بمسألة المثالية وهوس – أنا الأفضل في كل شيء – ، والتغلب عليه يتم من خلال التوقف لحظة لتحليل سبب  هذا الخوف.

التعلق بالمثالية هي شكل من أشكال الخوف (النقد، التعليق، الخطأ والفشل …).

بمجرد أن ندرك أن أسوأ شيء يمكن أن يحدث هو أن ينتقد شخص ما عملنا ، يجب أن ندرك أننا نحتاج إلى مراجعة ذواتنا ونتحرر من أوهامنا لأن انتقاد أعمالنا وأفكارنا ليس بالشيء السَّيء، على عكس من ذلك ، فهو ظاهرة صحية و فرصة لتحسين وتطوير ذواتنا وأفكارنا.

« الضّمير صَوْتٌ هادِىءٌ، يُـخْـبِـرُكَ بأنّ أحداً ينظر إليك. »

فوائد النقد:
في الواقع ، يُـعد النقد أداة رائعة لأنها تسمح لأفكارنا  أن تتطور وتتحسن ! هذا بشكل خاص حيث يمكننا أن نجعل فكرتنا جذابة لجمهور أوسع واكتساب شعبية مع الآخرين.

– الفشل مهم! و النجاح هو ابن الجرأة 

لو قرأت سيرة أي شخص من الذين أبهرونا بنجاحاتهم الكبيرة، لعلمت أن مساره في طريق النجاح لم يكن مفروشاً بالورود، بل كان سلسلة من حلقات الفشل قادته نحو النجاح والنجومية 🙂 . أكثر النجوم الذين تألقوا في عالم الاختراعات القديمة والحديثة مروا بإخفاقات كثيرة وعانوا من الفشل الشيء الكثير، لكن أهدافهم كانت أسمى وإصرارهم كان أشد وأقوى من انتقادات الناس. فتحقق لهم المراد وتذوقوا طعم النجاح . لذا علينا أن نقبل جميع الإخفاقات ونسير في طريق النجاح بخطىً ثابثة مستفيدين من كل التعليقات والانتقادات التي تلازم برنامجنا وخططنا.

   ليس العيب أن تفشل ، ولكن العيب كل العيب ألا تحاول أبداً النّجاح. في هذه الحياة ، لن تحصل على أي شيء بدون جهد.
  ثيودور روزفلت

– الحياة ليست مثالية

إرضاء جميع الناس غاية لا تُدرك

لا يولد أحدٌ بصفة الكمال، ولن يرحل عن هذا العالم أحدٌ وهو مكتمل الصّفات. « الكمال لله وحده » و من يدّعي الكمال فهو وَاهِـم، لأنه: بمجرد أن تُخْطِئ ، سينسى الجميع أنك كنت رائعاً يومًا ما ! نجيب محفوظ

إنما الحياة  حلقات لمسلسل من النجاحات والفشل، والشخص لا يمكن أن يكون مميزاً ما لم يمر بتجارب تكون أحياناً قاسية. بالفشل المتكرر تتحسن أفكارنا وتتطور قدراتنا ومهاراتنا لتحقيق النجاح وقوة الشخصية.

يقال: المحنة تصنع الرّجال، و قَدَرُ الرّجال في هذه الدنيا ألّا يذوقوا طَعْماً للسّعادة ما لم تكن مجبولة بنصيب من كآبة.

لن نَتَّصِـفَ بالْكَمال أبداً وهذا ما يجب أن نستوعبه وهذا ما يجب أن يكون. تَصَـوَّر لو أن الجميع مثاليين، فسيكون عالمنا مُمِلاًّ للغاية. لن يكون للحياة طعم،  العيوب هي التي تجعلنا نتعايش مع بعضنا وتعاون ويساعد بعضنا بعضاً وهي التي تجعلنا نولي الاهتمام لبعضنا وبها تتفاوت المدارك ونعيش التجديد في حياتنا وبها تخلق الاثارة  والتميز. لذا يجب أن نتعلم قبول فشلنا، عيوبنا وإخفاقاتنا، إنها جزءٌ من حياتنا.

  مِسْكُ الخِتَــام:

إذا شعرت أنه من الصعب عليك الوصول للمثالية ، فاعلم أنك لست وحدك. و لا أحد يملك القدرة على أن يكون مثالياً لأن كل بني آدم خطّاء. و عندما تدرك بأنك إنسان قابل للخطأ، سوف يساعدك هذا الادراك على أن تتقبل أخطاءك بشعور مريح.

الشيء الرئيسي والأساسي هو أن نتذكر دائماً  أنه من واجبنا أن نسعى جاهدين لنكون الأفضل. ونَتَدَرَّج في تطوير ذواتنا و تحسين مستوانا الفكري والثقافي والأخلاقي والمهني. وهذا يكفي بشكل عام لوضعنا على المسار الصحيح لتحقيق النجاح في مشاريعنا وحياتنا بصفة عامة.

إذا كان ما زال لديك شيء من مناشدة الكمال بداخلك ، فحاول أن تتركه واندمج في عملية نشر معارفك وأفكارك في هذا العالم الفسيح لتنال الرضا والخير وراحة الضمير، وتشعر بالحرية التي هي مطلب كل الناس، بدلاً من التركيز على شيء يبقى هامشياً لدى الفاعلين والمجتهدين في هذا العالم. 

دمت مجتهداً ورائعــاً ومحبوباً لدى الجميــع .. في أمان الله

شَـاركِ الْمَوْضُوع: 
إذا أعجبك هذا المحتوى، فلا تَقْرَأْ وتَرْحَل … تَـعْلِيقَـاتُكَ تَـشْجِيعٌ لَـنَـا لِنَسْتَمِرَّ فِــي الْبَحْثِ وَالْعَطَـاء. وإِذَا كنت تعتقد أنه قد يكون مفيداً لأشخاص آخرين، فشَارِكْهَ على الشبكات الاجتماعية.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    مؤسس موقع :
        عبدالرحيم ح.س من شمال المغرب . تقني "الهندسة المدنية" ، مارست البرمجة منذ 2001، خبرتي مع الويب والإعلاميات : تمتد من سنة 2000 ، سائر باستمرار في تحديث معلوماتي والاطلاع على كل جديد.
كتب 237 مقالة في jabism.com.

عدد المشاهدات لهذه المقالة : 12
انتقل إلى أعلى