قصة القاضي والإخوة الثلاثة

قصة القاضي والإخوة الثلاثة

يُحْكى أنَّ رجلاً كان لديه ثلاثة أولاد سماهم كلهم بإسم واحد   « عبد الله »، و عاشوا في أمان و سلام، ومضت السنوات تليها الاعوام ، والأولاد الثلاثة يلتفتون جميعاً كلما نادى أحد إسم “عبدالله” !

كبر الأب و مرض، و عندما اقترب أجله، جمع أولاده وهو على فراش الموت فقال لهم : « عبد الله يرث، وعبد الله لايرث، وعبد الله يرث ! »
ثم فاضت روحه، وبقي الإخوة حائرين من قسمة والدهم ولم يفهموا لها معنى، فقرروا  الذهاب الى قاض المدينة معروف بالذكاء و الفراسة ليحل مشكلتهم .
وفي  طريقهم  إلى الفاضي، رأوا رجلاً قلقاً مُنْزَعجاً يبحث عن شيئ ما ..
فأوقفهم وسألهم “لي ناقة تاهت مني ولا أعلم أين ذهبت ؟ هل رأيتموها في طريقكم ؟
قال عبد الله الأول : هل بعيرك أعور ؟
قال الرجل : نعم ! نعم!
قال عبد الله الثاني : هل بعيرك أعرج ؟
قال الرجل : نعم ! نعم!
قال عبد الله الثالث : هل بعيرك مقطوع الذنب ؟
قال الرجل وقد استبشر خيراً : نعم ! نعم ! إذن  رأيتموه؟  أين أجده ؟؟
قال الثلاثة : لا والله ما رأيناه !
جُنَّ جُنُونُ الرَّجُل وقرر أن يصطحب الثلاثة إلى القاضي ..لأنه اعتقد بأنهم أكلوا بعيره ويريدون إخفاء الأمر عنه.

قصة القاضي والإخوة الثلاثة

لم يعترض الأخوة على الأمر بَل قالوا نعم ونحن ذاهبون أيضاً لِمَسألةٍ عند نفس القاضي.
وصل الأربعة إلى در القضاء، فقص الرجل صاحب البعير قصتة على القاضي
قال القاضي : إن ماوصفتم به الناقة إنما يدل على أنكم رأيتموها ..هلاَّ اعترفتم؟؟
قال الأول : والله ياسيدي مارأيناها ولكننا رأينا آثارها ..فعندما قلت أنها عوراء ذلك لأنني لاحظت أن العشب في المكان الذي مرت به قد أُكِلَ من ناحية واحدة ..وهذا دليل على أنها لاترى إلا بعين واحدة!
قال الثاني : ولما قُلتُ أنها عرجاء ، فذلك لأن أحد أثار أقدامها أعمق من الأخر وهذا دليل عجزٍ في إحدى رِجْلَيْها.
قال الثالث : ولما قلتُ أنها مقطوعة الذيل .. فلأنني وجدت بَعْرَها قد وُضِعَ على شكل كُثَل، والعادة أنْ تُحَرِّكَ النّاقة ذيلها لتنثر بَعْرَها يميناً وشِمَالاً .. وهذا يعني أن ذيل هذه الناقة مقطوع.
نظر القاضي إلى الرّجل وقال : إذهب يارجل فوالله ما رأوا ناقتك قط !
وبعد أن رحل صاحب البعير ، قص الإخوة الثلاثة قِصَّتَهُم على القاضي، تعجب منها أشدَّ العجب، وقرر أن يُـؤَجِّـل القضية إلى الغد ريثما تتضح له المغزى و يفكر في الحل بِرَوِيَّة ..

توجه الأخوة إلى دار الضيافة للاستراحة و المبيت .. وأحسوا أنَّ أحداً ما يراقبهم،
وبعد قليل وصلهم الطعام ، و كان مُكَوَّناً من لحم و خبز .
فقال الأول : هذا اللحم لحم كلب ! !
وقال الثاني : هذا الخبز خبزته امرأة في الشهر التاسع من حملها !
وقال الثالث : وهذا القاضي ابن حرام !!!!
وصل الخبر إلى القاضي .. فجمعهم في اليوم الموالي ..
القاضي : من قال منكم أن اللحم لحم كلب ؟ فقال الأول : أنا ..
سأل القاضي الطبَّاخ هل فعلا هذا اللحم لحم كلب : فقال الطباخ لم يبقى لدينا لحم فقدمنا هذا اللحم وهو فعلاً لحم كلب!
سأل القاضي عبد الله الأول : قل لي يارجل كيف عرفت أنه لحم كلب ؟
قال الأول : لحم الإبل والغنم وغيرها يكون الشحم فوق اللحم أما هذه فكان اللحم فوق الشحم
فصرخ القاضي : أنت ترث من مال أبيك.
القاضي : من قال منكم أن الخبز قد خبزته امرأة في شهر حملها التاسع ؟ فقال الثاني : أنا ..
سأل القاضي عن الأمر فتبين فعلاً أن من خبز الخبز امرأة حامل في شهرها التاسع
سأل القاضي عبد الله الثاني : قل كيف عرفت عن هذا الخبز ومن خبزه ؟
قال الثاني : رأيت الخبز منفوخاً من جهة ومستوياً في الجهة الأخرى فتأكدتُ من عُلُوِّ النَّفخة أن صاحبته لم تكن تستطيع تحريكه عندما كان في بيت النار لأن هناك شيئاً يَعِيقُها وهو بطنها الكبير من الحمل !
فصرخ القاضي : أنتَ ترثُ من مالِ أبيك
القاضي : من قال منكم أنَّنِي ابن حرام ؟ فقال الثالث : أنا …
سأل القاضي أمَّهُ عن المسألة وأقرت بأنه ابن حرام !
سأل القاضي عبد الله الثالث : وكيف عرفت أنني ابن حرام ؟؟ فقال الثالث : لو كنت ابن حلال ما أرسلت لنا عيناً تُرَاقبنا ولا لحم كلب نأكله ولا خبزاً غير ناضج
فصرخ القاضي : أنت لاترث شيئاً
قال الثالث : ولماذا ؟
قال القاضي : لأنه لايعرف ابن الحرام إلا ابن الحرام مثله !
وفعلا ذهب الأول والثاني إلى أمهما وأقرت بأن الثالث أتى به والده من أمام باب المسجد ورباه وأسماه عبد الله .

هكذا كان عصر الأجداد، عصر الأنوار، ثقافة و حكمة وذكاء و دهاء وفراسة . و ليس كاليوم ، سرعة و تَسَرُّعٌ  و انفعالٌ بِلا طائل و كلام فارغ  .


لا تقرأ وتـرحل، شاركنـا ولو بتعليـق .

في أمـان الله

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عدد المشاهدات لهذه المقالة : 3٬061
انتقل إلى أعلى
%d مدونون معجبون بهذه: