قصة الحكيم و أبناء شيخ القبيلة

أخر تحديث لهذه المقالة في: 19 أكتوبر 2020 الساعة: 04:10 م

الحكيم والإخوة الأربعة

قصة من التراث العربي

يحكى أن شيخ قبيلة من القبائل العربية تقدم به السّن وله أربعة أبناء ، فلما أحس بدنو أجله فكر في تقسيم ممتلكاته على أبنائه بطريقة لا يظلم فيها أحد. فأمر خادماً له بإحضار أربعة صناديق خُفيةً دون أن يعلم أبناءه بذلك، وكذلك كان.
فقام الرجل العجوز ليلاً وتسلل من فراشه دون أن يشعر به أحد، ووضع بداخل تلك الصناديق أشياءً، ثم كتب على كل منها إسم واحدٍ من أبنائه.
و في الصّباح دعاهـم  جميعاً إلى مجلسه وأخذ يوصيهم فقال:

“يا أبنائي إن الدُّنيا فانية زائلة ، وإنني قد قسمت بينكم قسمة عادلة ، و قسمتي موجودة في هذه الصّناديق، فإذا رحلت عنكم إلى دار البقاء فافتفتحوها ، وليرض كل منكم بما أتاه من ميراث، وإن اختلفتم في شيئ فارجعوا إلى الحاكم الفلاني :
(وسمى لهم رجلاً مشهوراً بالحكمة من قضاة زمانه).
وأسأل الله لكم الهداية و السداد ونور البصيرة.
و ما هي إلا أياماً معدوداتٍ حتى توفي الشّيخ ، فاجتمع الأبناء الأربعة بعد دفن أبيهم، وقال كبيرهم :
“هيا بنا نفتح الصناديق المغلقة ، وليرض كل منا بقسمته”
فلما فتحوها ورأوا ما بها، استغربوا وتعجبوا مما وجدوا،
فقد وجد كبيرهم “السّيف و خاتم الرئاسة و الراية “
و الأخ الثاني وجد :”الرمل والحجارة”
أما الثالث فقد وجد :”العظام”
ووجد الرابع:”الذهب و الفضة”

الخلاف في قسمة الميراث

عندما تأكدوا مما رأوا، فرح الصغير وانزعج الآخرون، فاختلفوا فيما بينهم على قسمة حَسِبُوها غير عادلة، لكنهم سرعان ما تذكروا وصيةَ أبيهم التي أرشدتهم إلى استشارة الحكيم في حال اختلفوا في أمر القسمة، فاتفقوا على زيارة القاضي الذي كان بعيداً عن قبيلتهم، فأعدوا الزاد للسفر واتجهوا نحو بلدة القاضي الحكيم.

حدوث غرائب في طريق السفر

 

قافلة الاخوة الأربعة

وأثناء سفرهم، حدثت لهم مواقف غريبة وعجيبة زادت من كم الأسئلة التي سيضعونها بين يَدي الحكيم. كان خروجهم من قريتهم مباشرة بعد صلاة الصُّبح. وعندما قطعوا رُبع المسافة، اعترض طريقهم ثعبان صغير فتقدم إليه الأخ الصغير ليضربه فأخطأه، ففتح الثعبان فمه حتى كاد يسد الطريق من شدة ثورته، ففروا منه جميعهم، فنجوا بجلدتهم.

فلما مضى الرُّبع الثاني : وجدوا جملاً في أرض جرداء قاحلة ، وكان الجمل سميناً، لا يظهر عليه الجفاف ونُذرة العشب، واستمروا في طريقهم لمسافة قليلة، فإذا بهم أمام جملٍ هزيلٍ في روضة خضراء ، يانعة ، فتعجبوا من نحافته والعشب الأخضر في كل مكان.

الجمل السمين

فلما لم يبق من المسافة إلا القليل، وجدوا طائراً يطير حول سِدْرتين ، كلما وقع على إحداهما: اخضرت ، ويبست الأخرى ، فإذا وقع على اليابسة اخضرت و يبست الأخرى.
فأدهشهم هذا المشهد ، واستمروا في مسيرهم  وهم في حيرة تامة من هذا الأمر ، حتى وصلوا القرية التي يسكنها القاضي ،فسألوا عن منزله. فأرشدهم الناس إليه.

عند القاضي الحكيم

 

القاضي الحكيم

وعندما طرقوا الباب خرج إليهم رجل شيخ كبير يبدو عليه البؤس والعجز وضعف البصر ، فسألوه عن القاضي فقال : إنه أخي الأكبر، وهو في تلك الدار ، و أشار إلى منزلٍ مجاور.
فذهبوا إليه و هم في دهشة ، كيف سيقضي بيننا من هو شيخ هرم أكبر من أخيه الطَّاعن في السّن؟ إننا نشك في أن تكون له القدرة على القضاء بيننا .
فلما طرقوا الباب فإذا بامرأةٍ حَيِـيَّـةٍ تفتح الباب، فسألوها عن القاضي ، فقالت : نعم، إنه هنا، ادخلوا إلى مجلس الضيوف حتى يأتيكم ، فدخلوا البيت، وعند الانتهاء من الطعام والشّراب ( إنه كرم العرب ) ، دخل القاضي فسلم عليهم، وكان رجلاً نشيطاً قليل الشيب ، مكتمل القوة وابتسامته تنير مُحياه.

فقال الأخ الأكبر:
“أيها الحكيم :جئناك لمسألة واحدة ، لكننا في طريقنا إليك، حدثت لنا أموراً أربعة أدهشتنا واحترنا في تفسيرها، فأصبحت مسائلنا خمسة بدل واحدة”.
فقال القاضي :هاتوا مسائلكم الأربعة التي حدثت في طريقكم، وبعدها قصوا عليّ مسألتكم التي جئتم من أجلها،عساني أهتدي إلى حلها أو الحكم فيها.”

قال الأخ الأكبر:” أما المسألة الأولى ، عندما سرنا إليك وجدنا ثعباناً صغيراً، فلما هاجمه أخونا الأصغر، فتح فاه ، فكاد يسد الطريق علينا، لولا أننا فررنا منه متسللين لما استطعنا النجاة منه”
قال القاضي :”أما هذا الثعبان يا أبنائي فهو الشّر ، يبدأ صغيراً بحيث يستطيع كل شخص تجنبه والابتعاد عنه والتغلب عليه ، ولكن إذا دخلت عالمه، استقوى وكبر  واستفحل.

ثم قال : “هاتوا المسألة الثانية”

فقال أحدهم : “المسألة الثانية : أنَّـا لما استأنفنا سيرنا، وجدنا في طريقنا جَمَلَيْـن: الأولُ كان يــرعى في أرض قاحلة لا نبات فيها ولا زرع، لكن في مظهره كان سميناً ، وأما الثاني ، فكان يرعى في أرض خضراء يانعة وبها عشب كثير ، لكن حالته كانت هزيلة ، فعجبنا من حالتيهما، فبما تفسر ذلك؟”

قال القاضي : “أما الجمل الأول :وهو السّمين القانع بما أعطاه الله فينتفنع بما في يديه ، فارتاح في دنياه وظهر ذلك على حاله.
و أما الثاني: فهو الرّجل الثري، عنده خيرات كثيرة من المال و الولد، لا يشكر ربه على ما أعطاه ، فهو لا ينتفع بشيءٍ من ذلك أبداً .”

ثم قال: “هاتوا المسألة الثالثة”

فقال أحد الإخوة: “ثم لما استأنفنا طـريقنا وسرنا إليك، وجدنا طائراً يتنقل بين سدرتين ، إذا وقع على أحدهما اخضرت ، و الأخرى يبست ، ثم إذا تنقل إلى اليابسة اخضرت ويبست تلك التي كانت خضراء “.

فقال الحكيم : “نعم يا أبنائي ذاك مَثَلُ الرجل المتزوج زوجتان، إذا  أتى واحدة غضبت الأخرى ، فإذا جاءها رضيت و غضبت الأخرى ، وهكذا شأنه معهما”.

ثم قال أحدهـم : “و المسألة الرابعة : أننا عندما حللنا بقريتك سألنا عن سُكْناك ،فأرشدونا لمنزل أخيك الأصغر، فوجدناه شيخاً هرماً ، فلما سألناه عنكَ، أرشدنا لدارك هذه، فاعتقدنا أنك أهرم منه، ولكن العكس هو ما زادنا استغراباً ، حيث وأنت أمامنا – ما شاء الله – بصحة و عافية خلاف أخيك الأصغر ،فما السّر في ذلك مع أنك أكبر منه؟
قال القاضي : “أما ما وجدتموه من حال أخي الأصغر ، فإن له امرأة سليطة اللّسان لا تتوقف عن الوَلْوَلَةِ واللّوم طول اليوم، فهي بذيئة المنطق لا تحمد منه شيئاً، عسى الله أن يفرج عنه ويرزقه الصبر والأجر.

و أما عن حالتي – والحمد لله – فإني أعيش عيشة هنيئة، أسأل الله أن يديمها عليّ نعمةً ،فزوجتي صالحةً ، حيية أمينةً ، فأنتم جئتم و كنت نائماً ، فلم توقظني ، حتى جهزت لكم الطعام والشراب و كل ما تحتاجونه، وبعدها أيقظتني ، فجئت إليكم ، و أنا نشيط مرتاح ، والحمد لله على ذلك، فذلك سر سعادتي وحيويتي”.

المسألة الرئيسية

قال أكبرهـم: “و الخامسة وهي مسألتنا ، فنحن أبناء شيخ قبيلتنا” ( و سمّى له قبيلتهم) ، و قبل وفاة والدنا ، قسم بيننا حظوظنا من أمواله ، ووضعها في صناديق وأمر أن لا تفتح إلا بعد موته ، فلما توفاه الأجل ، فتحناها ، فوجد كل واحد منا في صندوقه ما وجد.
أما أنا فكان من نصيبي السّيف و خاتم الرئاسة و الراية.
بينما الثاني فقد وجد الرّمل و الحجارة.
ووجد ثالثنا العظام.
أما الرابع ، وهو أصغرنا، فوجد الذّهب و الفضة.
فاختلفنا بيننا عن هذه القسمة، وكان والدنا رحمه الله قد أوصانا أن نرجع إليكم عند اختلافنا، فها نحن قد جئنا إليكم، لتحكم بيننا بما أراك الله، و نسأل الله أن يوفقكم للعدل و الإنصاف، ونحن مستعدون لتنفيذ حكمكم مهما كان إن شاء الله تعالى “

فقال القاضي: “لقد كان أبوكم رجلاً حكيماً يا أبنائي ، فلقد أعطى كل منكم ما يستحقه، ولا أراه ظالماً في شيئ. فمن كان نصيبه: السّيف و الخاتم و الراية ، فهو شيخ القبيلة خَـلفاً لأبيه، و عليكم السّمع و الطّـاعة له ، و أن ترجعوا إليه، في كل أمر من أموركم.
و من كان نصيبه الرمل و الحجارة، فله العقار و البيوت و الأراضي.
ومن كان نصيبه العظام، فله المواشي من خيل وإبل و بقر و غنم.
و من كان نصيبه الذهب و الفضة، فهو أضعفكم ، فلا تنسوه عند انتهاء ما لديه من مال. و أوصيكم يا أبنائي بالاتفاق و جمع الكلمة. و أسأل الله أن يحفظكم و يرعاكم “.
ثم انصرفوا من عنده راضين بما حكم به القاضي ، وما ترك لهم أبوهم ، وهم يسألون لأبيهم المغفرة و الرحمة و الرضوان.

وهكذا انتهت قصة اليوم، وإلى لقاء آخر مع قصة أخرى.

قصة مماثلة:

المزيد من القصص …←

في أمان الله

شَـاركِ الْمَوْضُوع:
إذا أعجبك المقال، فلا تَقْرَأْ وتَرْحَل … تَـعْلِيقَـاتُكَ تَـشْجِيعٌ لَـنَـا لِنَسْتَمِرَّ فِــي الْبَحْثِ وَالْعَطَـاء. وإِذَا أعْجَبَتْكَ الْمَقَالَة، شَارِكْهَا مَعَ أصْدِقَائِكَ عَبْرَ مَوَاقِع التَّوَاصُل

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    مؤسس موقع :
        عبدالرحيم ح.س من شمال المغرب . تقني "الهندسة المدنية" ، مارست البرمجة منذ 2001، خبرتي مع الويب والإعلاميات : تمتد من سنة 2000 ، سائر باستمرار في تحديث معلوماتي والاطلاع على كل جديد.
كتب 258 مقالة في jabism.com.

عدد المشاهدات لهذه المقالة : 36
انتقل إلى أعلى